حيدر حب الله

225

شمول الشريعة

ويباعدكم من الجنّة إلا وقد نهيتكم عنه . . » « 1 » . إنّ هذه الرواية وظّفها القائلون بعدم شموليّة الشريعة والمنتصرون للدين بحدّه الأدنى ، وهي بنفسها كانت أحد أدلّة القائلين بالشموليّة ، وهذه من الأمور اللافتة ! والمقاربة التي يقدّمها النافون للشموليّة عبر هذه الرواية هي أنّها واضحة في كون غرض النبيّ من دعوته ودينه هو التقرّب والتبعيد الأخروي ، ومن ثمّ فشؤون تنظيم الحياة الدنيويّة لا علاقة له بها ، وهذا دليل على أنّ دينَه لا يتدخّل في الحياة الدنيويّة إلا بمقدار ما يتصل بالآخرة ، لا أنّه يضع تنظيم الحياة الدنيا في سلّم أولويّاته ، حتى تكون شريعته شاملة ، وبهذا يمكن أن نخرج باستنتاج يميل لُاخرويّة الدين لا دنيويّته ، وهي الفكرة التي سنرى لاحقاً أنّه قد نافح عنها المهندس مهدي بازرگان . إلا أنّ هذه الاستدلال هنا غير دقيق ؛ وذلك : أوّلًا : إنّ غاية ما يفيده هذا الحديث توصيف حالة النبيّ وأنّه شرح لهم كلّ ما يتصل بآخرتهم ، ولكنّ هذا لا ينفي أن يكون قد تصدّى لأمور دنياهم بالتنظيم والإدارة ، فلا يوجد مفهوم - بالمعنى اللغوي والأصولي - لهذه الخطبة ينفي علاقته بالجوانب الدنيوية حتى نأخذ من هذه الرواية استنتاجاً علمانيّاً للدين . ثانياً : إنّ الحديث يُثبت أنّ كلّ المقرّبات والمبعّدات قد ذكرها النبيّ ، لكن المفروض أنّ هذه المقرّبات والمبعّدات مندمجة بالفعل الإنساني في الدنيا ، فظرفها الزمكاني هو الدنيا ، وحيث إنّه لم تتحدّد المساحة التي تستوعبها سلوكيّات الإنسان المقرّبة والمبعّدة ، فهذا يعني أنّه من الممكن أن يكون كلّ تصرّف إنساني - بما في ذلك التصرّفات المتصلة بتنظيم الشؤون الدنيويّة - ذات تأثير أخروي تقريبي أو تبعيدي ، فهذا شيء لا يمكننا نفيه ولا تحديد مساحته من نصّ هذه الخطبة ، ومن ثم لن يتمكّن هذا الحديث من مقاربة القضيّة بطريقة تعارض النصوص الأخرى المثبتة للجوانب الدنيويّة للدين أو لفكرة الشموليّة التشريعيّة . نعم ، ما ذكره الشيخ الأعرافي ، من أنّ تمام الأفعال الإنسانيّة تقع مقرّبةً ومبعّدة « 2 » ، هو ممّا لا

--> ( 1 ) الكافي 2 : 74 ؛ وانظر : الصنعاني ، المصنّف 11 : 125 ؛ والحر العاملي ، الفصول المهمّة 1 : 512 - 513 . ( 2 ) انظر : قلمرو دين وگستره شريعت : 76 .